الشيخ محمد الصادقي الطهراني

335

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إن اللّه يعلم منه كل ذلك لأنه هو الذي خلقه وقدَّره ، فلا يقسو عليه في تخلفاته ولا يبادر إلى طرده من رحماته ما دامت شعلة الإيمان في قلبه غير منطفية ، ونداوته غير منتفية ، عارفاً وما يتوجب عليه أمامه ، فيأمره بالذكر بعد النسيان ويغفر له حين يستغفره « ومن يغفرالذنوب إلا اللّه » . فليس اللّه بذلك الغفر الواسع داعياً إلى الترخص « 1 » تميجيداً للعاثر الهابط ، والعاهر الخابط ، ولا يهتف له بجمال المستنقع كما الواقعية البشعة تهتف له ، فإنما هي إقالة عثرة واستجاشة الرجاء اليه في النفس الإنسانية كما يستجيش فيها الحياد ، فهو يربيه بين كفتي ميزان الخوف والرجاء دونما رجاحة لإحداهما على الأخرى لكيلا يتأرجف . أولئك هم المؤمنون في الحق ، الموعوظون الموعودون بالغفران ، دون المستهترين المصرين غير الذاكرين اللّه ولا المستغفرين ، فإنهم خارج الأسوار ، مؤصدة في وجوههم تلك الأستار ، ولكنهم - على ما هم عليه - لا يعاجَلون بالعقوبة ، فلهم كما لسواهم مفتوحة باب التوبة إن أنابوا إلى اللّه ، وعلينا أن نتخلق باخلاق اللّه فلا نعاجل من ظلمنا بالعقوبة ما فيه مجال للإصلاح ، أم لا يخاف منه الإفساد . فهنالك - لما تنزل هذه الآية - يصرخ إبليس بعفاريته قائلًا : « من لها حتى قال الوسواس الخناس أنا لها ، قال : بماذا ؟ قال : أعدُهم وأمِّنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار ، فقال : أنت لها فوكله بها إلى يوم القيامة » « 2 » . ف « رحم الله عبداً لم يرض من نفسه أن يكون إبليس نظيراً له في دينه وفي كتاب اللّه نجاة من الردى وبصيرة من العمى ودليل إلى الهدى وشفاءٌ لما في الصدور فيما أمركم به من

--> ( 1 ) . خلاف ما يروى عن رسول الهدى صلى الله عليه وآله : لو لم تذنبوا لجاء اللّه بقوم يذنبون كي يغفر لهم ( الدر المنثور 3 : 77 ) فإنه من اختلاقات المتخلقين عن شرعة الحق ، لأنه تشجيع عن الذنب ، امراً بشيء ينبى عنه ! . ( 2 ) . نور الثقلين 1 : 391 في أمالي الصدوق باسناده إلى الصادق جعفر بن محمد ( عليما السلام ) قال : لما نزلت هذه الآية « وإذا فعلوا فاحشة . . » صعد إبليس جبلًا بمكة يقال له ثور فصرخ بأعلى صوته بعفارية فاجتمعوا اليه فقالوا : يا سيدنا لم دعوتنا ؟ قال : نزلت هذه الآية فمن لها ؟ فقام عفريت من الشياطين فقال : انا لها بكذا أو كذا ، قال : لست لها ، فقام آخر فقال مثل ذلك فقال : لست لها فقال الوسواس الخناس . .